لماذا أصبحت تبليسي وبهدوء الوجهة المفضلة لقضاء عطلة نهاية أسبوع طويلة في نظر سكان الخليج؟

قبل خمس سنوات، كانت إسطنبول هي الخيار الأمثل في وجهة نظر سكان الرياض أو الدوحة. أما اليوم، فتبليسي هي الوجهة المفضلة، ولم يحدث هذا التحول صدفةً. فقد استقطبت المدينة نوعية من الزوار الذين يسافرون باستمرار، ويختارون بعناية، ونادراً ما يشرحون أسباب اختيارهم.

ما وجدوه هو عاصمة تستحق زيارة ثانية.

ثلاث ساعات، وإجراءات شبه معدومة

تستغرق الرحلة من الرياض ثلاث ساعات. ومن دبي، ثلاث ساعات ونصف. يدخل مواطنو السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين وعُمان جورجيا بدون تأشيرة، مع حق الإقامة لمدة عام كامل – لا حاجة لتقديم طلب، ولا انتظار في طوابير السفارة، ولا مفاجآت في اللحظات الأخيرة على الحدود.

تهبط الطائرة. تختم جواز سفرك. وبعد عشرين دقيقة، تكون في المدينة. بالنسبة للمسافرين المرهقين من إجراءات السفر الطويلة، يُعد هذا الوصول السلس نصف جاذبية جورجيا.

مطبخ يُرضي الفضول

لطالما كان المطبخ الجورجي سراً مكشوفاً في عالم كتابة الطعام لعقد من الزمان. الخاتشابوري هو المدخل: قارب من الخبز الدافئ محشو بالجبن الذائب، ومزين بصفار بيضة ساخنة، يُكسر في وسطه على المائدة. وراءه يكمن تقليدٌ يبدو مألوفًا وفي الوقت نفسه غريبًا بعض الشيء – يخنات مطهوة على نار هادئة، وصلصات جوز بقوام مخملي، وسلطات غنية بأعشاب يصعب تحديدها. الحلبة. القطيفة. البرقوق البري. السماق على كل شيء.

ثم هناك النبيذ. جورجيا هي أقدم منطقة منتجة للنبيذ على وجه الأرض – ثمانية آلاف عام، بحسب علماء الآثار الذين يواصلون العثور على أوانٍ فخارية أقدم من المجموعة الأخيرة. لا يزال أكثر من خمسمائة نوع من العنب المحلي يُزرع تجاريًا حتى اليوم. بالنسبة للضيوف من الخليج الذين لا يشربون الكحول، تُولي نفس مصانع النبيذ اهتمامًا بالغًا بعصير الرمان والمياه الغازية، حيث تُقدم في نفس الأكواب، وبنفس الطقوس.

أماكن الإقامة ولماذا تهم

لقد تطور قطاع الفنادق الفاخرة بسرعة. أصبحت دار نشر ستامبا، التي تعود إلى الحقبة السوفيتية، والتي تم تجديدها وإعادة بنائها حول ردهة مركزية شاهقة، وجهةً بارزةً في عالم الصحافة المتخصصة بالتصميم. أما فندق روومز في شارع كوستافا، فيوفر أجواءً هادئةً تُشبه المكتبات، تُناسب المسافرين الذين يُفضلون قضاء أمسياتهم في الداخل. ويُقدم فندق بيلتمور تجربة الخمس نجوم المعهودة التي يعرفها زوار دول مجلس التعاون الخليجي جيداً، مع ميزة إضافية تتمثل في إطلالاته البانورامية على النهر من الطوابق العليا.

وقد سلك سوق العقارات نفس المسار التصاعدي. فقد تضاعفت أسعار العقارات في وسط تبليسي ثلاث مرات تقريباً منذ عام ٢٠١٩، مع ازدياد الطلب بشكل كبير من مشترين من دول الخليج وإسرائيل الذين استغلوا الفرصة قبل السكان المحليين. ولا تزال الشقق المكونة من غرفتي نوم في منطقتي فاكي أو سابورتالو تُباع بأسعار زهيدة مقارنةً بأسعار الشقق المماثلة في دبي أو الدوحة – حتى الآن.

المدينة المسائية

تُبهر تبليسي زوارها أكثر بعد حلول الظلام. فالمدينة القديمة تتوهج بلون كهرماني من الحجارة المرصوفة، وتُلقي الجسور بضوئها على النهر، بينما ينبض شارع روستافيلي بالحياة العائلية والحوارات حتى ساعات متأخرة من الليل. تظل حمامات الكبريت في أبانوتوباني – ذات القبة، والتي تعود إلى القرن السابع عشر، والتي جُدِّدت مؤخرًا وفقًا لمعايير الفنادق العالمية – مفتوحة حتى وقت متأخر، وتوفر غرفًا خاصة لمن يفضلون الاستحمام بعيدًا عن الأنظار، وهو ما يتناسب تمامًا مع الذوق المحلي.

وقد طورت بعض الأماكن الراقية في المدينة أسلوباً خاصاً في الضيافة على ضفاف النهر. وأصبحت أشهرها معالم بارزة، كما هو الحال مع بعض الفنادق: حيث يخطط المسافرون لزيارتها ويعودون إليها. لطالما اعتُبر Shangri La، الذي يُعد من بين أكثر الأماكن أناقة في تبليسي المعيار الذي تُقاس به الأماكن الأخرى، وقد بُنيت سمعته على مر السنين من خلال الاهتمام بعملائه الذين لا يغفرون الإهمال.

ما تغيّر مؤخراً هو الجغرافيا. فالتجربة لم تعد تنتهي عند إعلان الصعود إلى الطائرة. يمكن لضيوف هذا المكان المطل على النهر أن يأخذوا أجواءه معهم إلى منازلهم، حيث تستمر كامل الخدمات الفاخرة عبر الإنترنت في “Shangri La”، ويمكن الوصول إليه حتى بعد وصول الرحلة إلى الدوحة أو الرياض أو الكويت. التجربة ترافق الضيف حتى بعد انتهاء الرحلة.

الجبال، على بُعد أربعين دقيقة

من بين مزايا تبليسي التي لا تُستغلّ بالشكل الأمثل، الارتفاع الشاهق. يقع جبل غوداوري على ارتفاع 2200 متر، وتتوفر فيه خدمة التلفريك خلال فصل الشتاء، بالإضافة إلى طائرات الهليكوبتر للتزلج الحرّ في شهر فبراير. وفي الصيف، تُفتح المنحدرات نفسها أمام رياضة المشي لمسافات طويلة، ويُصبح فارق درجات الحرارة متعةً بحدّ ذاته؛ إذ تنخفض درجة الحرارة في المدينة من 35 درجة مئوية إلى 16 درجة مئوية على ارتفاع شاهق في أقل من ساعة. وتلاحظ العائلات الخليجية التي تسافر في شهر يوليو هذا التباين في غضون دقائق.

وبالقرب من المدينة، يصعد القطار المائل إلى جبل متاتسميندا في ثماني دقائق فقط، ليصل بك إلى شرفة تبدو أقرب إلى موقع تصوير سينمائي منها إلى مطعم.

ما تُجيده المدينة بهدوء

قاومت تبليسي ما استسلمت له عواصم أخرى. لم تُسوَّى بالأرض بفعل التوسع التجاري العشوائي، ولم تُفرط في رفع أسعار أحيائها القديمة سعيًا وراء التوسع. لا تزال المدينة متراصة بما يكفي للتجول فيها سيرًا على الأقدام، وفخورة بما يكفي للحفاظ على أفقها العمراني ذي المباني المنخفضة.

هذا التوازن هو تحديدًا ما يجعل المسافرين من دول مجلس التعاون الخليجي يعودون إليها مرارًا. نادرًا ما تشعر بالملل في عطلة نهاية الأسبوع هنا، حتى وإن كنت تشعر بذلك. تغادر وأنت تشعر بأنك قضيت وقتًا في مكان له طابعه الخاص، وليس مكانًا مُصممًا خصيصًا لإنفاق المال فيه.

بعد رحلة طيران مدتها ثلاث ساعات، تُعد هذه عودة مميزة حقًا.